نوفيلا
لما يبصولك يبقوا أكيد عمي !
رمقها بحدة مفاجئة فأشاحت بوجهها للجهة الأخرى حتى تخمر إبتسامة الشماتة و الإنتصار عنه أردفت قائلة
_ ثم إنت جيت هنا ليه
_ و إنت مالك
قالها مستندا بكفيه على المقعد متعمدا لهجة البرود بحديثه ..
رمقته من طرف عينيها ثم مصمصت ثغرها دون حديث ..
عم الصمت على كليهما تحدقه الفتاة من حين للآخر بتأفف و شبه نظرة إستحقار بينما يرد هو عن طريق رفع حاجبيه للأعلى فتبتسم بطفولة و سريعا تخف الإبتسامة ..
_ و بعدين ..
تنهد طويلا ثم أخرج كفيه من جيوبه و عقدهما ببعض و مرفقاه يستندان على ركبتيه فتحدث بجدية و لأول مرة تشعر بصوته طبيعي و كم كان ناعما وقتها ! ناعما لدرجة تجعل النعاس يتسلسل لجفنيها بهدوء و هو يقول
_ لاقيت نفسي زهقان .. مخڼوق فقولت
أنزل أتمشى شوية و .. و جابتني رجلي على هنا
_ لا و الله !
_ على فكرة أنا ممكن أمشي
قالها و هو يلتف إستعدادا للنهوض فلوحت بكفها في الهواء هاتفة
_ يا عم اقعد شكلك لقيط و مش لاقي حتة تلمك اقعد ..
جلس مرة ثانية محدقا بها بغرابة كانت ترتدي قبعة صوفية فوقها وشاح خفيف يخبيء عنقها و ملابس تبدو منزلية .. فسألها مندهشا
نظرت له نظرة دونية كأنها تستخف سؤاله لتشيح بوجهها ناظرة للأمام و هتفت بسخرية
_ بتشمس !
حدجها بجمود و تفحص تعابيرها جيدا ليضحك و تتعالى ضحكاته أكثر لدرجة جعلته يخبيء وجهه خلف كفيه ! كانت تعابير وجهها ساخرة لا تليق ببرائة ملامحها فبدت بشكل كوميدي طفولي جعله يقهقه عليها ..
_ مارد ..
طالعها بتساؤل و إبتسامته تحتل مكانة على ثغره .. فإلتفت له بإهتمام مسترسلة
_ إنت قولت اسمك بيمثلك .. و مارد يعني عفريت فأنا كدة إتوغوشت !
عادت ضحكاته تصدح و تتغلغل بأذنيها فزمجرت بحنق هاتفة
_ كفاية ضحك بقى .. مش كلامي صح إنت عفريت حتى إيه اللي يخليك تيجي المستشفى هاا
_ عفريت إيه إنت متخلفة صح ده على أساس إني لو بني آدم مش هعرف آجي المستشفى
رفعت رأسها تحدق ببقعة تتوسط الفراغ تفكر بصوت مرتفع هامسة
_ بس إنت لو بني آدم هتيجي ليه
_ و هو أنا لو عفريت هاجي ليه بردو
_ مارد مش بس يعني عفريت .. مارد يعني عاصي تقدري تقولي جاية من متمرد .. و ده بيشبهني بيشبه طبعي تصرفاتي و حياتي فسميت نفسي مارد ! أما بقى جيت ليه فحقيقي ماعرفش السبب غير إني زهقت من الوحدة فحبيت أتكلم مع حد .. و ماعرفش حد ممكن أتكلم معاه هنا غيرك
رفعت الفتاة شفتها السفلية للعليا كالأطفال لتهتف مصطنعة الحزن
_ صعبت عليا ..
تأففت ملامحه و تصنع الرحيل قائلا لا أنا ماشي !
ضحكت بمرح و سارعت بالتشبث بمعطفه الأسود قائلة لا خلاص خلاص خليك بهزر ! أنا كمان ماليش حد أتكلم معاه على فكرة ..
استكملت بحماس قبل أن يباشر بالحديث
_ بس تصدق فكرة حلووة ! أنا هقلدك .. و قررت اسمي نفسي فجر !
رفع أحد حاجبيه متسائلا
_ فجر إشمعنا !
هدأت أنفاسها و تنكرت تعابيرها بقناع الهدوء و هي تعود للخلف ملتصق ظهرها بباطن المقعد .. حدقت في السماء التي تبتلع السحب العملاقة بجوفها لتهمس بإبتسامة
_ لإني متفائلة جدا .. متفائلة بكل فجر يعدي عليا إني هعدي المرحلة دي بجدارة هتعالج و أرجع أحسن من الأول و استقبل كل فجر بأمل و طموح جديدة
جذب انتباهه فقط كلمة واحدة من حديثها .. هتعالج ليدقق بملامحها أكثر و فتح فمه استعدادا ليسألها تتعالج من ماذا لكن تجمدت الحروف على لسانه عندما لاحظ شيئا غفل عنه سابقا .. حاجبان شبه إنعدم الشعر منهما فقط خط بسيط جعل من هيئتها طبيعية لا تثير الشك حتى لم ينتبه لهما في السابق لكن الآن شعر بغرابتهما ..
لاحظت تحديقه بها فابتسمت إبتسامة لم تطل لمقلتيها ثم قالت
_ أيووة سړطان .. سړطان دماغ
إجفل و تحركت أهدابه بإضطراب فنظر للأرض هامسا بهدوء
_ إحم .. آسف ما أخدتش بالي و ماجاش في بالي أنك تكوني بتتعالجي شكلك عكس كدة تماما .
_ عادي على فكرة ما تعتذرش بس مش فاهمة شكلي عكس كدة إزاي
_ أعرف إن المړض ده متعب .. بس شايف العكس فيک رغم إني قابلتك مرتين بس كنت دايما بتضحكي .. بتهزري عينيک بتلمع بشكل ..... بشكل مبهج !
رسمت إبتسامة على محياها الصغير كان يتأمل عينيها العشبيتين بشرود دون وعى تناقات حروفه من داخل قلبه مباشرة